محمد بن وليد الطرطوشي

74

سراج الملوك

من كان لا يطأ التراب برجله * وطئ التّراب بناعم الخدّ من كان بينك في التّراب وبينه * شبران كان بغاية البعد لو بعثرت للنّاس أطباق الثّرى * لم يعرف المولى من العبد وقال الهيثم بن عدي « 1 » : وجدوا غارا في جبل لبنان زمان الوليد بن عبد الملك « 2 » ، وفيه رجل مسجّى على سرير من ذهب ، وعند رأسه لوح من ذهب ، مكتوب فيه بالرومية : أنا سبأ بن نواس بن سبأ ، خدمت عيصو بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرب الديّان الملك الأكبر ، وعشت بعده عمرا طويلا ، ورأيت عجبا كثيرا ، ولم أر فيما رأيت أعجب من غافل عن الموت ، وهو يرى مصارع آبائه ، ويقف على قبور أحبّائه ، ويعلم أنّه صائر إليهم ، ثم لا يتوب ، وقد علمت أنّ الأجلاف الجفاة ، سينزلونني عن سريري ويتموّلونه ، وذلك حين يتغيّر الزمان ، وتتأمّر الصبيان ، ويكثر الحدثان « 3 » . فمن أدرك هذا الزمان ، عاش قليلا ومات ذليلا . ويروى أنّ الإسكندر « 4 » مرّ بمدينة قد ملكها أملاك « 5 » سبعة ، وبادوا ، فقال : هل بقي من نسل الأملاك الذين ملكوا هذه المدينة أحد ؟ فقالوا : رجل يكون في المقابر ، فدعا به ، وقال له : ما دعاك إلى لزوم المقابر ؟ قال : أردت أن أعزل عظام الملوك من عظام عبيدهم ، فوجدت ذلك سواء ، قال : فهل لك أن تتبعني ، فأحيي بك شرف أبائك إن كانت لك همّة ؟ قال : إن همّتي لعظيمة إن كانت بغيتي عندك ، قال : وما بغيتك ؟ قال : حياة لا موت فيها ، وشباب لا هرم فيه ، وغنى لا يتبعه فقر ، وسرور لا يعتريه مكروه . قال : ما أقدر على هذا ، قال : فانفذ لشأنك ، وخلّني أطلب بغيتي ممن هي عنده ، فقال الإسكندر : هذا أحكم من رأيت .

--> ( 1 ) الهيثم بن عدي : أبو عبد الرحمن الطائي الكوفي ، المؤرخ ، اتهمه البخاري ، وابن معين والنسائي بأنه كذّاب ، أو متروك الحديث ، قيل : أنه كان يرى رأي الخوارج ، توفي سنة 207 ه . ( سير أعلام النبلاء ج 10 / 104 ) . ( 2 ) الوليد بن عبد الملك : الخليفة الأموي السادس ، بلغت الدولة في عهده أوج عزّها ، وصلت جيوشه إلى بخارى وسمرقند وطنجة والهند ، شيّد الجامع الأموي في دمشق والمسجد الأقصى في القدس ، توفي سنة 96 ه . ( الأعلام 8 / 121 ) . ( 3 ) الحدثان : صغير والسن . ( 4 ) الإسكندر : من أشهر الفاتحين ، سبقت ترجمته . ( 5 ) أملاك : جمع ملك ، وتجمع ملك على ملوك وأملاك .